الخطيب الشربيني

374

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

المعصية حيث لا يراهم أحد من الناس ولا يكون لهم هذا إلا برياضة عظيمة ، فعلى العاقل أن يطوع نفسه لترجع مطمئنة بأن ترضى بالله ربا لتدخل في رق العبودية ، وبالإسلام دينا ليصير غريقا فيها ، فلا ينازع الملك في ردائه الكبرياء وإزاره العظمة وتاجه الجلال وحلته الجمال ، ولا ينازعه فيما يدبره من الشرائع ويظهره من المعارف ويحكم به على عبيده من قضائه وقدره . لَهُمْ مَغْفِرَةٌ أي : عظيمة تأتي على جميع ذنوبهم وَأَجْرٌ أي : من فضل الله تعالى كَبِيرٌ يكون لهم به من الإكرام ما ينسيهم ما قاسوه في الدنيا من شدائد الإيلام ويصغر في جنبه لذائذ الدنيا العظام . [ سورة الملك ( 67 ) : الآيات 13 إلى 30 ] وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 13 ) أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 ) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ( 15 ) أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ ( 16 ) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ( 17 ) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ( 18 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ( 19 ) أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ ( 20 ) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ( 21 ) أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 22 ) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 23 ) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 25 ) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 26 ) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ( 27 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 28 ) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 29 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ ( 30 ) وَأَسِرُّوا أي : أيها الخلائق قَوْلَكُمْ أي : خيرا كان أو شرا أَوِ اجْهَرُوا بِهِ فإنه يعلمه ويجازيكم به ، اللفظ لفظ الأمر والمراد به الخير ، يعني : إن أخفيتم كلامكم في أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم أو غيره أو جهرتم به فسواء إِنَّهُ أي : ربكم عَلِيمٌ أي : بالغ العلم بِذاتِ الصُّدُورِ أي : بحقيقتها وكنهها وحالها وجبلتها وما يحدث عنها من الخير والشر وقال ابن عباس : « نزلت في المشركين كانوا ينالون من النبي صلى اللّه عليه وسلم فيخبره جبريل عليه السلام فقال : بعضهم لبعض أسروا قولكم كي لا يسمع رب محمد » « 1 » . فأسروا قولكم أو اجهروا به يعني : وأسروا قولكم في محمد صلى اللّه عليه وسلم وقال غيره : إنه خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال ، والمراد أن قولكم وعملكم على أيّ سبيل وجد فالحال واحد في علمه تعالى ، فاحذروا من المعاصي سرا كما تحذرون عنها جهرا فإنّ ذلك لا يتفاوت بالنسبة إلى علم الله تعالى . ولما قال تعالى : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ذكر الدليل على أنه عالم فقال تعالى : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ أي : من خلق لا بدّ وأن يكون عالما بما خلقه ، لأن الخلق هو الإيجاد والتكوين على سبيل القصد ، والقاصد إلى الشيء لا بد وأن يكون عالما بحقيقة ذلك المخلوق كيفية وكمية . والمعنى : ألا يعلم السر من خلق السر ، يقول : أنا خلقت السر في القلب أفلا أكون عالما بما في

--> ( 1 ) انظر القرطبي في تفسيره 18 / 204 .